© Kamel Mrowa Foundation 2017

10

إزدهار الصحافة الورقية

 

كانت الصحافة الورقية في أيام كامل مروة تحتل عرش الإعلام في لبنان والعالم أجمع. وعلى رغم المنافسة الجدية التي شكلها الراديو والتلفزيون يومئذٍ، بقيت الجرائد اليومية المنبر الأول للأخبار والرأي، والمستقطب الأهم للنخب والقراء، والجاذب الأكبر للموازنات  الإعلانية.
كان المال السياسي بالطبع يجد طريقه إلى الصحف، لكن الناجحة منها لم تكن تحتاجه لتنتشر وتزدهر. وهذه الاستقلالية المادية كانت وراء صعود الصحافة اللبنانية في الخمسينيات والستينيات، وسر تفوّقها على نظيرتها المصرية الأعرق، وسبب تحوّلها سلطة رابعة حقيقية وانتشار نفوذها في المنطقة. وبرز في تلك المرحلة جيل جديد من الناشرين اللبنانيين مثل غسان تويني في «النهار» وجورج نقاش في «الأوريون» وسعيد فريحة في «الأنوار» وسليم اللوزي في «الحوادث»، تمكنوا من السير بالصحافة الورقية خطوات جبارة الى الأمام.
ولم تساهم جريدة في العالم العربي في نهضة الصحافة المكتوبة يومئذٍ بقدر ما ساهمت «الحياة». وكان مروة لولب تلك النهضة، ولهذا لقّب «أبو الصحافة العربية الحديثة». كان كثير السفر، جاب العالم كله: من بلدان اوروبا، إلى الأميركيتين، وصولاً الى الشرق الأقصى. وسمحت له هذه الأسفار بالاطلاع على آخر ما أنتجته تكنولوجيا تلك الأيام، وبإدخال تجديدات تقنية متواصلة على صناعة جريدته «الحياة»، وشقيقتيها الإنكليزية «ذي ديلي ستار» والفرنسية «بيروت ماتان».

ويسجَّل لكامل مروة نجاحه في حل معضلة تنضيد اللغة العربية على لوحة المفاتيح اللاتينية المعتمدة عالمياً. ذلك أن لغة الضاد كانت لا تزال تُصفّ يدوياً، حرفاً بحرفٍ، حتى الخمسينيات. وعندما أطلقت شركة لينوتايب (Linotype) البريطانية عام 1959 "الحرف العربي المختصر" بناء على تركيبات اخترعها مروّة بنفسه، اعتُبر ذلك الإنجاز خرقاً تقنياً كبيراً، نال جزاءه مروة براءة اختراع. وتم اعتماده في مختلف اللغات المكتوبة بالحرف العربي كالفارسية والكردية والأردوية.

وكان صاحب «الحياة» أيضاً من السبّاقين عالمياً، والأول لبنانياً وعربياً، في الانتقال من الطباعة بالأبيض والأسود الى الطباعة الملوّنة، عندما سارع في عام 1964 إلى شراء واحدة من أولى المطابع الملونة في العالم من شركة غوس انترناشونال الأميركية Goss International. 
كما كان أول من طرق باب السوق الإعلانية اليابانية الهائلة، بعد زيارته طوكيو مطلع الستينيات، وإصداره سلسلة من الأعداد الخاصة عن اليابان لمواكبة دخول المنتجات اليابانية الى المنطقة. وبات الإعلان الياباني يشكل منذ حينه مدخولاً مادياً سخياً ليس لـ"الحياة" فقط، بل لسائر المطبوعات اللبنانية أيضاً. ولعل الجانب الأهم في كل هذا، أن الاعلانات الآسيوية الجديدة كانت تجارية محضة ولم تحمل أي لون سياسي، الأمر الذي ساهم في تحصين استقلالية دور النشر الرئيسة في بيروت مادياً وسياسياً.■