© Kamel Mrowa Foundation 2017

11

 الرصاصة القاتلة

 

مع حلول عام ١٩٦٥، دخل العالم العربي في حرب باردة خاصة به، لم يكن أحد يتوقع شدة صقيعها. وكان قطبا هذه الحرب الرئيس المصري جمال عبد الناصر والعاهل السعودي الجديد الملك فيصل بن عبد العزيز.
أما السبب الرئيسي لهذه الأزمة فكان انهيار الوحدة السورية المصرية، وتحول أنظار الرئيس المصري إلى اليمن، حيث قام ضباط يمنيون محسوبون عليه بقلب الحكم الملكي الإمامي هناك، فدخلت البلاد في حرب أهلية. وسارع عبد الناصر عندئذٍ إلى مساندة حلفائه الانقلابيين، مرسلاً آلاف الجنود المصريين لمؤازرتهم، الأمر الذي اعتبرته الرياض تهديداً مباشراً لأمنها. ولم ينفع عقد قمتين عربيتين إستثنائيتين في الإسكندرية والدار البيضاء في رأب الصدع بين الطرفين.
وتزامن كل ذلك مع سباق إقليمي ودولي حثيث لوراثة بريطانيا في الخليج، مركز الثقل الاستراتيجي في الشرق الأوسط، والتي كانت تتهيأ للانسحاب منه. فأخذ كل جانب يبني قواه على ذاك الأساس، ويخطط للوصول إلى أهدافه بشتى الوسائل. وقرر الملك فيصل عندئذ أن يجول على عدد من الدول الرئيسة في الشرق الأوسط لبناء جبهة تضامن إسلامية تعزز سياسته الخارجية، لعله يعوّض بذلك استراتيجياً، ما كان يفتقر إليه من قوة عسكرية.

وفي خطوة شديدة الدهاء، وغير عادية بالميزان السعودي، إختار الملك السعودي أن يكون باب ايران، الجارة الإسلامية الكبرى الواقعة على الضفة الأخرى من الخليج، أول باب يطرقة. فسافر إلى طهران في نهاية عام 1965، في أول زيارة رسمية له بعد تبوّئه الحكم، وتوصل إلى تفاهمات مع الجانب الإيراني تتعلق باستقرار الخليج، لقيت احتضاناً دولياً في ما بعد. وسارت الأحداث في سياقها التاريخي المعروف، واستطاعت الرياض في النهاية أن تحسم مسألة الخليج لمصلحتها، وأن تنهي الوجود المصري في اليمن، بنجاح تاريخي استثنائي.
وقف كامل مروة إلى جانب الملك فيصل في هذا الصراع، وتبين لاحقاً أنه كان المهندس الأول لتقاربه مع إيران، ومشجعه الأكبر على بناء جبهته الإسلامية. فيما وقفت شخصيات عربية أخرى إلى جانب الرئيس المصري، ولعبت أدوارها في مساندته. ومع تحوّل الحرب في اليمن الى مستنقع مميت للجيش المصري، تصلبت المواقف المتقابلة وتفاقم التباعد بين الطرفين، وبات صعباً على الجميع احتواء خصوماتهم السياسية كما كان يجري في السنين السابقة.

في هذا الجو المشحون، توقفت دراجة نارية صغيرة  أمام مبنى «الحياة» في وسط بيروت ليل يوم الاثنين في 16 أيار 1966، وترجّل منها رجل يحمل مغلفاً خاصاً إلى رئيس التحرير، ثم انطلقت الدراجة مسرعة. توجه الرجل مباشرة إلى ردهة الاستقبال في الطابق الأول حيث سهّل له عامل الهاتف الدخول إلى غرفة صاحب «الحياة».
وقف الرجل أمام مروة الذي كان جالساً وراء مكتبه يتلقى مكالمة هاتفية، وسلّمه المغلف. ولما بدأ الأخير فتحه، عاجله برصاصة من مسدس كاتم للصوت، فأصابته في الصدر، واخترقت رئته اليسرى مسببة نزيفاً داخلياً صاعقاً.

​تحامل مروة على نفسه ثم وقف على رجليه وهجم على مطلق النار، فرماه على الواجهة الزجاجية لشرفة المكتب، قبل أن يخرّ جريحاً إلى الأرض. وسبّب تحطم الزجاج دوياً عالياً، سمعه المحررون والموظفون في كامل المبنى. فهرعوا إلى مكتب رئيسهم.

لكن الرجل تمكن من المغادرة قبل وصولهم، تاركاً مسدسه على الأرض. واختفى معه عامل الهاتف المذكور آنفاً. وبقي كامل مروة ملقياً والدم ينزف من صدره زهاء نصف ساعة، وعيناه الزرقاوتان تحاولان الكلام، حتى أتت سيارة إسعاف وأقلته إلى مستشفى الجامعة الأميركية. لكنه فارق الحياة لحظة إدخاله قسم الطوارئ. وكان له من العمر 51 عاماً.■