© Kamel Mrowa Foundation 2017

09

رياح الحرب الباردة

 

تنبّه كامل مروة مبكراً إلى لعبة الأمم في الشرق الأوسط. وكان لتجربته في أوروبا خلال الحرب العالمية الثانية تأثير كبير على مقاربته للصراعات الدولية. كان «يتنفس الاستراتيجيا» بحسب ما كان يقول عنه بعض الذين عرفوه. وانعكس هذا التفكير الاستراتيجي على التغطية الإخبارية في «الحياة»، منذ انطلاقتها عام 1946.
تسارعت التحولات في العالم بعد الحرب. وبرزت الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي كقوتين عظميين كسفتا شمس الامبراطورية البريطانية وجعلتاها تتنازل عن مستعمراتها. ومع انحسار النفوذ البريطاني في الشرق، تلاشت منظومة الانتدابات، وحلّت محلها مجموعة من الدول العربية المستقلة، يتوسطها كيان جديد وغريب هو إسرائيل. وواكب هذا التغيير تحوّل جذري في «الوظيفة» الاستراتيجية لمنطقة الشرق الأوسط، من ممر للتجارة البريطانية والأوروبية مع القارة الهندية، إلى خزان عالمي للطاقة الجديدة، النفط.
وفي الواقع كانت اليد الخفية للولايات المتحدة الأميركية وراء كل الخطوات التي أدت إلى تفكيك الوجود البريطاني في المنطقة، وتحجيم سطوته على امتيازات التنقيب وأنابيب النقل. واستخدم الاميركيون الانقلابات العسكرية طريقاً لتحقيق أهدافهم، لا سيما في سوريا عام 1949 وايران عام 1953. غير أن الاستئثار الأميركي بالشرق الأوسط لم يدم طويلاً. فبعد الإخفاق البريطاني في حرب السويس عام 1956، دخل الإتحاد السوفياتي بقوة إلى المسرح، وبهذا الدخول وصلت رياح الحرب الباردة إلى المنطقة.
لم يكن مروة يؤمن بقدرة المعسكر الشيوعي على هزيمة المعسكر الغربي. واعتبر أن إصرار البعض على ربط آمال العرب بهذا المعسكر، كان مغامرة لا تختلف كثيراً عن مغامرة اللجوء الى ألمانيا النازية خلال الحرب العالمية الثانية: كلاهما كان وقوفاً مع الطرف الأضعف دولياً، فيما مصالح العرب تكمن مع الطرف الأقوى.
وجادل في مسألة أن وصول العرب إلى تحقيق مصالحهم لا يكون بالاستفزاز العشوائي والمجاني للقوى العالمية، بل بتكاتفهم لبناء قدراتهم العسكرية والاستراتيجية أولاً، وتوطيد صداقاتهم الإسلامية والدولية ثانياً، ثم مقارعة أو مقايضة الغرب - عندما تحين الفرص - للحصول على غاياتهم، لا سيما في موضوع فلسطين. وكان يفسر موقفه بأنه ليس انبهاراً بالغرب أو استخفافاً بالشرق، بل إدراك لميزان القوى في عالم لا تسوده سوى المصالح، ولا تنفع فيه العواطف.■