© Kamel Mrowa Foundation 2017

الأيام الاخيرة...

ليبيا: 3 أسابيع قبل الإغتيال

 

يروي فريد صباغ، أحد رجال الأعمال اللبنانيين في ليبيا أيام الملكية، وأحد رفاق أنطون سعادة مؤسس «الحزب السوري القومي الاجتماعي»، تفاصيل زيارة كامل مروة الى طرابلس الغرب، آخر رحلة له خارج لبنان قبل اغتياله، في تسجيل يعود الى 2001.

في أواخر نيسان 1966 جاءنا كامل مروة إلى طرابلس الغرب. كنت يومئذ شريكاً لرجل الاعمال اللبناني النائب ميشال المر في تنفيذ بعض الالتزامات والتعهدات في ليبيا أيام العهد الملكي. استقبلناه في المطار أنا ووزير الخارجية الليبي أحمد البشتي والسفير اللبناني هناك الدكتور مدحت فتفت، عم النائب اللبناني الحالي محمد فتفت. كان سبب دعوة صاحب «الحياة» هو للنظر في تسوية خلاف سياسي كان يهدد موقع ولاية العهد في ليبيا، وبالتالي استمرارية النظام.
[كانت انتشرت الشائعات يومئذ بأن الملك ادريس السنوسي، البالغ 77 عاماً، يريد تعديل الدستور ويرغب في ترك العرش. وترافق مع هذه الشائعات اتهام لرئيس الحكومة المستقيل محمود المنتصر بأنه يحاول من وراء الستار مع الملك تغيير النظام الملكي وإزاحة ولي العهد، إبن أخ الملك، الامير الحسن الرضا السنوسي، وإعلان نظام جمهوري برئاسته.] (*)
كان المنتصر من الشخصيات السياسية النافذة والقوية في ليبيا، ويشبه كثيراً رياض الصلح في لبنان. [ولكن علاقته مع ولي العهد كانت فاترة منذ تعيين الأخير في منصبه في منتصف الخمسينات. ولم يكن سراً أن المنتصر كان يحبذ اختيار شخصية سنوسية أخرى للحلول مكانه. وتزامن كل ذلك مع ضغوط خارجية مباشرة من الرئيس المصري جمال عبد الناصر لتصفية القواعد العسكرية الأميركية والبريطانية في ليبيا، والتي استجاب لها المنتصر بحماس كبير عبر اطلاق مفاوضات فورية لجلاء قوات الدولتين. فأثارت مجاراته للتيار الثوري الناصري شكوكاً ومخاوف إضافية لدى ولي العهد.] (*)
ورغم أن الملك إدريس شعر بحراجة الموقف، فإنه عزف عن التدخل لتأمين موقع الأمير الحسن الرضا. لذلك قررت شخصيات ليبية محايدة المسارعة الى نزع فتيل الانفجار عبر اجراء تقارب بين المنتصر وولي العهد، وباشرت البحث عن طرف ثالث -غير الملك- لإتمامه.
كان وزير الخارجية البشتي يعتبر لبنان دولة محايدة، لا أطماع لها في ليبيا، ويرى أن دعوة شخصية لبنانية لفض هذا النزاع اقل مجازفة من أيكال هذه المهمة الحساسة الى شخصية عربية أو دولية. ولما اعتذر وزير الخارجية اللبناني آنذاك فيليب تقلا عن تولي المسؤولية، وقع الخيار على كامل مروة، لوسع معارفه وصداقاته في ليبيا، ولقربه من الخط السياسي الذي كان يمثله الملك ادريس.
صباح اليوم التالي جاء الوزير البشتي الى فندق «ليبيا بالاس» حيث كان ينزل كامل لتناول طعام الفطور. كان الفندق يعج بالنزلاء من رجال الاعمال، فالمملكة الليبية يومئذ كانت أهم إقتصادياً من المملكة السعودية، دولة غنية بالنفط تتدافع اليها كبريات الشركات العالمية للحصول على عقود التنقيب والإنتاج.
كان كامل يعرف الوزير البشتي معرفة جيدة من لقاءات سابقة. تطرقنا سريعاً الى موضوع النزاع المستجد. سأله كامل: وين بدنا نروح؟ قال: الى البيضاء. كان يوجد في ليبيا ثلاث عواصم: طرابلس الغرب وبنغازي وعاصمة جديدة جامعة قيد التطوير، اسمها البيضاء، وتقع بين طبرق وبنغازي على بعد نحو ألف كيلومتر من طرابلس. ركبنا بالطيارة إلى بنغازي ومنها بسيارة تابعة لوزارة الخارجية الى البيضاء. جلست الى الأمام قرب السائق وجلس كامل في الخلف مع شاب انتدبته الوزارة لمرافقتنا. أخذ المرافق يتكلم مع السائق. قال لي كامل: ولك شو عم يحكوا هول؟ قلت له: عم يحكوا عربي. إلتفت للمرافق وقال: يا أخي عم تحكوا عربي؟ مش عم نفهم شي؟ ثم قال لي: لازم تعملهم قاموس.
ذهبنا مباشرة الى القصر الحكومي في البيضاء. بقينا يومين، لم نهدأ فيهما. حضرت جانباً من المناقشات. لم يغادر كامل البيضاء إلاّ بعدما انجز المصالحة بين ولي العهد والمنتصر، ووضع الرجلان يديهما على المصحف واقسما اليمين بألا يخونا بعضهما بعضاً. جرى ذلك أمام مجلس الوزراء بحضور كامل، وقد كنت شاهداً على ذلك.  
في اليوم التالي، ذهبنا مع وزير الخارجية لمقابلة الملك ادريس في قصره في طبرق. استقبلتنا زوجته الملكة فاطمة فسألناها: أين مولانا؟ قالت: في الحديقة عند البقرة. نزلنا الى الحديقة فوجدناه فعلاً عند البقرة يحلبها. كم كان ملكاً متواضعاً! قال له الوزير البشتي: كامل مروة الذي تحبه موجود هنا ويريد مقابلتك. قال: أينه؟ وتطلع فينا وسأل: أأنت مروةّ؟ أجابه: إيه. قال: بارك الله فيك. ثم قام فغسل يديه وقال: إن البقرة خير من الإنسان، على الأقل انها لا تخون. بعدها سرنا الى داخل القصر فجلسنا في أحد غرف الاستقبال، حيث تناولنا مع الملك تفاصيل المصالحة التي رعاها كامل.
عدنا الى طرابلس الغرب في اليوم التالي، وتفرغ كامل لبعض الاعمال الخاصة بجريدته. لم يكن في المغرب العربي يومئذ صحيفة أوسع توزيعاً وأكثر رواجاً من «الحياة». كان كامل يخطط لإصدار طبعة خاصة من «الحياة» لشمال أفريقيا أنطلاقاً من ليبيا، على أن يستقدم مطابع خاصة لذلك. كان يريد أن يشمل توزيع «الحياة» دولة تونس المجاورة أيضاً. سألني: كم تبعد تونس العاصمة من هنا؟ قلت له: ألف كيلومتر. قال لي: أي مثل بنغازي والبيضاء؟ قلت له: تقريباً نفس الشيء. قال: جيد، سوف أوفد مدير عام «الحياة» سامي عطية لمتابعة الامر هنا فور عودتي الى لبنان.
رافقته الى المطار بعد يومين حيث ركب الطائرة الى روما في طريقه الى بيروت. بقيت انتظر قدوم موفد «الحياة» ثلاثة اسابيع. الى ان اتصل بي الوزير البشتي باكياً: «لقد قتلوا كامل!»


(*) من «مذكرات شاهد على العصر الملكي الليبي»، الفصل الرابع، تأليف بشير سني المنتصر، مكتبة الشروق الدولية، 2008.
 

روما: أسبوعان قبل الإغتيال

 

أسعد محاسن، آخر وزير خارجية لسوريا قبل وصول البعث الى الحكم عام 1963، في أتصال هاتفي معه في باريس يعود الى عام 2002.


آخر لقائي معه كان في حفل غذاء في منزل السفير السعودي في روما قبل اغتياله باسبوعين. كان مسافراً الى بيروت في اليوم نفسه. قلت له لا ترجع، هناك أحاديث عن تحضيرات لاغتيالك. لم يأبه، وربما لم يصدق. مصدر معلوماتي كان الوفد المرافق للبطريرك الماروني الكاردينال بولس المعوشي الذي كان في زيارة للفاتيكان. كان البطريرك قادماً لتوه من جولة رعوية في الولايات المتحدة الأميركية حيث التقى نائب الرئيس المصري انور السادات الذي كان أيضا في زيارة رسمية هناك. وقد قيل لي ان السادات هو تحديداً من نقل هذه الأجواء.

 

بيروت: يوم الإغتيال

 

دانيال الخوري، زوجة خليل الخوري نجل الرئيس بشارة الخوري، وأحد أعز أصدقاء كامل مروة، في تسجيل يعود الى عام 2000.


يوم مقتله تناول الغذاء في منزلنا أنا وخليل. بقي عندنا لغاية الساعة الرابعة أو الخامسة. وقبل ذهابه سألنا: شو عاملين الليلة؟ اتفقنا أن نذهب إلى السينما وبعدها الى مطعم العجمي. قال: نلتقي الليلة الساعة التاسعة.
قبل الموعد بنحو ساعة أي عند الثامنة مساء، ذهبت وخليل لزيارة الليدي إيفون سرسق كوكرن لتعزيتها بوفاة والدتها دونا ماريا، على ان يمر كامل ليأخذنا من قصرها في الأشرفية بعد أن ينتهي من العمل في الجريدة.
أخبرتنا الليدي إيفون أن قداس دفن والدتها المقرر في اليوم التالي سيشهد حدثاً مسيحياً تاريخياً بارزاً، إذ لأول مرة في تاريخ الكنيسة المسيحية في لبنان ستتلى رسالة رعائية كاثوليكية من قبل البطريرك الماروني داخل كنيسة أرثوذكسية [دونا ماريا كانت كاثوليكية بينما عائلة زوجها سرسق كانت أرثوذكسية] . قلت لها: ان هذا خبر صحافي بامتياز، فلنتصل بكامل لننقله إليه.
اتصلت بـ«الحياة» فردّ عليَّ عامل الهاتف. استغربته لأني لم أجد صوته مألوفاً. عامل جديد. قال لي: لحظة من فضلك. وحوّلني إلى المقسم الخطأ. انتظرت قليلاً، ثم عاد قائلاً: لا تؤاخذيني سأعيد تحويل مخابرتك الى الأستاذ كامل. جعلني انتظر مجدداً. احسست انه كان ملتبكاً. اخيراً رد كامل، قلت له: آلو كامل كيفك، عندي خبر لـ«الحياة». قال لي: دقيقة دقيقة دعيني اكتب التفاصيل. وما ان أكمل تسجيل الخبر حتى سمعت خبطة ثم اختفى الخط. أمر غريب.
تساءلت لماذا أقفل الخط؟ لم أكن أدري ان اختفاء الخط تزامن مع لحظة حدوث الاغتيال. ولكن كيف لفرضية الاغتيال أن تخطر على بال أحد؟ قلت ربما دخل محرر على كامل، أو ربما كان مشغولاً. ولم أعاود الاتصال به مرة ثانية.
بعد نحو نصف ساعة رن الهاتف في قصر سرسق وطلب المتحدث ان يتكلم مع زوجي. أجاب خليل المكالمة. تجهم وجهه وأقفل الخط. قال: كامل في مستشفى الجامعة الأميركية وحالته حرجة.