© Kamel Mrowa Foundation 2017

مقالة للتاريخ

قعقعة السلاح بدأت

قبل حرب 67 بكثير

 

هذه الصفحة مخصصة لنشر مختارات من كتابات كامل مروة بصورة دورية

■ حزيران/يونيو 2017

في 5 حزيران/يونيو 1967، قبل خمسين عاماً، شنت اسرائيل حرباً خاطفة على كلٍ من مصر وسوريا والأردن، وتمكنت في ستة ايّام من احتلال كامل تراب سيناء والجولان والضفة الغربية بما فيها القدس، في هزيمة للعرب ضاهت نكبة 1948 في قساوتها وذلّها ومرارتها.

اعتبر كبار المسؤولين العرب يومئذ - وتحديداً المصريين منهم - ان تلك الحرب "الاستباقية" كانت غادرة. ولكنها في الحقيقة لم تكن فجائية بالقدر الذي صوّروها به، أذ أن قعقعة السلاح الاسرائيلي بدأت قبل وقوعها بسنتين على أقل تقدير. والمفاجأة لم تكن في وقوع الحرب، بل في فضيحة عدم الاستعداد لها، وفداحة الانهيار العسكري أمامها. 

كان العالم العربي في منتصف الستينيات منقسماً على نفسه بسبب دخول الجيش المصري طرفاً في حرب اليمن، وكانت مواقف القادة العرب تجاه القضية الفلسطينية تعاني من تخبط كبير، وكانت الخلافات مع الغرب لا تنتهي، بسبب تحالف الدول العربية الثورية مع المعسكر الشيوعي بقيادة الاتحاد السوفياتي. 

وتصدّرت الاهتمامات العربية طروحات لا قيمة فعلية لها في ميزان الصراع مع اسرائيل. ولعل ابرزها مسألة تجفيف نهر الأردن التي طلع بها الرئيس المصري جمال عبد الناصر عام 1964، بعد ان قامت اسرائيل بضخ مياه النهر نحو ساحل المتوسط وصحراء النقب. ولم يكن هناك أي أساس علمي لفكرة تجفيف النهر، لأن معظم كميات المياه التي تصله إنما تأتي من مصادر جوفية وليس سطحية. رغم ذلك، أمضى العالم العربي أشهراً طويلة في سجالات عقيمة حول تحويل الروافد في لبنان وسوريا والأردن. وانتهى الأمر بالتخلي عن الفكرة برمتها، بعد أن قام الطيران الاسرائيلي في تموز/يوليو 1966 بتدمير منشات الضخ المتواضعة التى أقامتها سوريا عند نهر بانياس في الجولان.

ولم يكد ينتهي هذا الفصل حتى بدأ فصل آخر، عندما أمر الرئيس المصري في أيار/مايو 1967 باغلاق مضائق تيران عند مدخل خليج العقبة بهدف وقف الملاحة الإسرائيلية نحو مرفأ إيلات، والتي حظرتها اتفاقيات الهدنة عام 1949 أيام الملك فاروق، ثم سمحت بها ترتيبات وقف النار بعد العدوان الثلاثي عام 1956. وكما مشروع تحويل الروافد من قبله، لم يكن لهذا القرار أي تأثير اقتصادي فعلي على إسرائيل، لأن معظم تجارتها الدولية وإمدادتها النفطية كانت تمر عبر موانئها الواقعة على البحر المتوسط وليس الأحمر. ولكنه شكل الذريعة المناسبة لإسرائيل لكي تنفذ ضربتها "الاستباقية".

أما عبد الناصر، فأصر على تجاهل التحذيرات الدولية المتتالية، مراهناً بأن الولايات المتحدة والإتحاد السوفياتي سيشكلان مظلة دفاع عنه، مثلما فعلا سابقاً في حرب السويس عام 1956. وكانت هذه طبعاً قراءة جيوسياسية خاطئة. وبقي الرئيس المصري يناور حتى اللحظة الأخيرة، غير مقتنع بأن حرباً كارثية على وشك الاندلاع.

وفي شريط الصور أعلاه نبأ في جريدة "الحياة" (باللون الأزرق) لوكالة "أسوشيتد برس" من القاهرة يفيد بأن "عبد ناصر لا يتوقع نشوب حرب ولا أن تتدخل أميركا لمصلحة اسرائيل". كان ذلك عشية النكسة، يوم الأحد في 4 حزيران/يونيو 1967.

● ● ●‏

بين 1965 و1967 نشرت "الحياة" عدة مقالات عن الاستعدادات الإسرائيلية للحرب. وأولى تلك المقالات كانت لكامل مروة في نيسان/ابريل 1965، أي قبل عامين من هزيمة 1967. وتناول مروة في مقالته الأجواء الملبدة التي كانت تلف الشرق الأوسط وحذر بأن اسرائيل تعد العدة لتنفيذ حرب "استباقية" ضد العرب.

ونشير الى أن عبارة "الحرب الأستباقية" أو "الاحتياطية" أو "الوقائية" لم تكن متداولة في حينه كما هي اليوم، وربما كانت هذه المرة الأولى التي يشار فيها الى هذه العقيدة المستجدة لدى الدوائر العسكرية الإسرائيلية، في المرحلة التي سبقت حرب 1967. 

أما المقالة فكانت بتوقيع "سياسي عربي قديم"، الاسم المستعار الذي كان يستخدمه مروة عند كتابة زاوية "مقال الأسبوع".

القلق المخيم على

الشرق العربي: ما سببه؟

 

بقلم "سياسي عربي كبير" (كامل مروة)

زاوية "مقال الأسبوع"

جريدة "الحياة"، الصفحة 5

10 نيسان (إبريل) 1965

في جو الشرق العربي قلق يصعب تحديد مصدره في الظاهر. فهناك شعور سائد بأن ثمة حوادث خطيرة توشك أن تقع. أو قد تقع في الصيف القادم، أما أين وكيف، فلا يعرف أحد على وجه التحديد.

وفي الشرق اليوم بقعتان اثنتان يتصاعد منهما الدخان. ومن الطبيعي عند ذكر القلق أن نذكر [قضية تحويل] روافد [نهر الأردن] التي انكمشت القضية الفلسطينية أخيراً فيها، واليمن. فهل تنبعث شرارة هذا القلق المهيمن في جو الشرق الأوسط من هاتين البقعتين، أم احداهما، أم من سواهما؟

على كل حال، ليس في أوضاع الشرق ما يمكن اعتباره مستقراً الى زمن. ففي الإنتدابين البريطاني والفرنسي، كنا نعتبر أوضاعنا مصطنعة على الرغم من وجود مئة ألف جندي أجنبي لتثبيتهما بالقوة. أما اليوم، وليس من قوى قادرة على فرض الاستقرار، والمصالح الدولية تتصادم من فوقنا وعلى أرضنا، فقد ازدادت هذه الأوضاع ركاكة، دون أن يبدو في الأفق نذير بتصفيحها عن طريق انماء ائتلافي طوعي، او انسجام اجتماعي أو عقائدي أو نظامي من الصلب العربي.

لنحاول أن نستعرض الاحتمالات التي قد تنشأ عن موارد القلق في [مسألتي] الروافد واليمن، بادئين بفلسطين. وهنا يعرف القراء أن الأردن وسورية ولبنان قد اضطلعت بمهمة تحويل الروافد التي تصب في نهر الأردن، جواباً على عمليات الضخ الإسرائيلية من بحيرة طبريا.

‏وأعلن العدو على الأثر أكثر من مرة أنه يعتبر تحويل الروافد عملاء عدوانياً، وانه سيرد عليه بالتدخل العسكري.

‏ولما كانت الدول العربية مترابطة نظرياً في ميثاق الدفاع العربي تحت ظل القيادة العربية الموحدة، فإن أي هجوم على دول الروافد يفضي إلى تحرك الجبهة العربية كلها ‏وتمتد الحرب في المنطقة.

‏من هذا الاحتمال ينشأ القلق في بقعة [دول] الروافد. ومنذ ثلاثة أشهر سال حبر كثير، ولعاب أكثر، في تحليل الموقف وتقليب مختلف وجوهه. وجرت اتصالات بين الدول العربية والدول الغربية وصار بالإمكان تكوين فكرة أوضح عن قضية الروافد.

‏هناك الآن اجماع في كل مكان على أن تحويل الروافد لن يحرم العدو شيئاً من الماء. فمنذ تقرير [المبعوث الأميركي أريك] جونستون [عام 1955] الذي قسّم المياه - ببركة الأمم المتحدة والولايات المتحدة - بين العرب ‏واسرائيل، جرت دراسات جيولوجية وطوبوغرافية جديدة، دلّت على وجود مجار مائية ‏تحت الأرض، تنقل إلى العدو مئات الملايين من المياه المتساقطة على الأعالي السورية واللبنانية، ناهيك عن ‏سيول الأمطار الغزيرة التي تصب في بحيرة طبريا. وبنهاية الحساب يتضح ان تحويل الروافد كلها ‏يحرم العدو من بضع عشرات من ملايين الأمتار المكعبة، في مقابل مئات من الملايين تتسرب إليه ‏من تحت أقدام تقرير جونستون وأرقامه.

‏الروافد إذن لا تؤلف سبباً كافياً لشن حرب، ولكن العدو يهوّل بها ويتخذها ذريعة للتهديد بالقتال، فما غايته؟

‏أن الدوائر العسكرية في إسرائيل تحب التفكير دائماً في ما تسمّية "الحرب الوقائية". وفي الآونة الأخيرة ‏عادت هذه النغمة تمثل دورها في مشاريع العدو للمستقبل، وبرزت مدرسة جديدة تقول ما يلي:

١- ‏أن الدول العربية آخذة في التسلّح ‏من المعسكر السوفياتي والمعسكر الصيني. وللشيوعيين الآن مصلحة متزايدة في إشغال الغرب ‏في الشرق الأوسط، والقفز من فوق تركيا وإيران في اتجاه إفريقيا. لذلك يبدون سخاء عجيباً مع الدول العربية الموالية لهم. ويجزلون لها العطاء بمقدار لا يعطونه حتى للدول الشيوعية. فإذا ظلّت الأوضاع الدولية تستوجب هذا السخاء، فإن السلاح عند العرب سيتراكم، وسيصبح خطراً على إسرائيل.

٢- ‏المجموعة العربية الآن مفككة عسكرياً. فالقوات المصرية الضاربة مشغولة في اليمن. ‏والجيش السوري تحول إلى جيش عقائدي وفق إطارات الضباط المهيمنين. والجيش العراقي بعيد ‏عن الجبهة ومنهمك في شؤون بلده. ‏والجيش الأردني قليل العدد بالنسبة إلى حدوده الطويلة. وهكذا تكون الفرصة سانحه لإسرائيل فتضرب العرب ضربة حربية ‏تشلّ مجهودهم العسكري لعدة سنوات، فترتاح فترة من الزمن.

‏هذا هو منطق مدرسة "الحرب الاحتياطية"، وهي التي استغلت قضية الروافد لتستخدمها وسيلة إلى غايتها، ولتهدد بالإلتجاء الى الحرب ‏إذا وقع التحويل.

‏ ‏وبعد المفاوضات التي قام بها رئيس الوزراء الإسرائيلي [ليفي أشكول] في لندن، ووزيرة الخارجية [غولدا مايير] في باريس، ومبعوث الرئيس الأميركي [ليندون] جونسون [السيد أفريل ‏هاريمان] في تل أبيب، خفّت قعقعة السلاح في المعسكر الإسرائيلي، وبدأنا نسمع عن "استنفاد الوسائل السلمية" أولاً. ولا ندري ‏إذا كان العدو جاداً بذلك أم يتظاهر بغير ما يضمر، لإخفاء غايته.

‏وتقول معلومات وردت من مصادر العربية في واشنطن، ان الأميركيين استحصلوا من إسرائيل على وعد بالذهاب الى مجلس الأمن عند وقوع التحويل. وأن العدو وافق على ترك التدخل العسكري ‏جانباً. مشترطاً شرطاً واحداً، وهو ألا يسمح لبنان لأي قوة عربية بدخول أراضيه. فإذا ما دخل جندي واحد الأرض اللبنانية، ‏فالعدو سيهاجم فوراً.

‏وعلى كل حال، فقد أصر لبنان على الإشراف على دفاعه بنفسه، وعارض دخول أية قوة عربية، إلا عند الطلب. وتبذل الدبلوماسية اللبنانية جهداً كبيراً ‏لإقناع الدول الغربية بالضغط على العدو كي يترك لبنان وشأنه في حال التحويل.

‏وفي استطاعتنا القول أن هذا المسعى قد سار خطوات واسعة. ولكن الخطر، في نظر المطلعين لم يزل قائماً، وأن أشهر الصيف ‏القادمة، ابتداء من أيار وحزيران، ستكون مفترق الطريق.

● ● ●‏

ننتقل بعد هذا إلى اليمن، حيث يهيمن هنا أيضا قلق متزايد. وقد ادّعت المصادر الملكية أن المصريين أرسلوا في الأشهر الأخيرة ٢٥ الف جندي الى اليمن، فأصبح لديهم ٦٥ ألفاً. ولكن المراقبين الأجانب ‏لا يقبلون هذه الأرقام.

‏وعلى كل، فإن القوات المصرية تتجمع الآن، كما ذكرت "الحياة" في الأسبوع الماضي، في خطين: أحدهما في منطقة عبس - حرض، في الشمال الغربي من اليمن، حيال منطقة عسير ‏السعودية، والآخر في الشرق والجنوب حيال الاتحاد الجنوب العربي.

‏وتردد الشائعات روايات عن هجوم المصري قريب قد يتجه نحو السعودية، أو نحو اتحاد الجنوب، كوسيلة لقطع المدد عن الملكيين. ولكن الأوساط الأميركية ‏المتصلة بالقاهرة وصنعاء والرياض، تنفي هذه الشائعات، ولا تتوقع أي هجوم مصري مباشر على السعودية او على الاتحاد.

‏والاتحاد كما هو معلوم، مرتبط بمعاهدة حماية مع بريطانيا، فكل هجوم عليه يؤدي إلى الاصطدام بالقوات البريطانية، وتدخّل الأسطول البريطاني في البحر الأحمر، ‏فمن الصعب أن تُقدم القاهرة على مثل هذه الحركة.

‏اما السعودية، فإنها تتأهب منذ عامين. وهناك دول كبرى مرتبطة معها بعهود حربية. والرئيس جونسون هو أكثر حرارة ‏من سلفه [جون] كنيدي في تطبيقها. ثم ان الدبلوماسية السعودية في عهد الملك فيصل، قد نجحت في توسيع الصلات السعودية في المجال الشرقي الإسلامي [وتحديداً إيران]، فإذا ما تعرضت لهجوم ‏، فلن تبقى وحدها، وستجد قوات تبادر إلى نجدتها.

‏ومن أجل ذلك تستبعد تلك الأوساط أن تقدم مصر على أية عملية عسكرية من شأنها جر أطراف أخرى الى الحرب ضدها في اليمن. هذا هو منطق الاستنتاج في الوقت الحاضر. ‏ولكن الحوادث لا تقع دائماً حسب المنطق، بدليل ان معظم أحداث الشرق العربي، تتحدى المنطق وتعبث به.

‏ثم أن حاجة دول الشرق الأوسط إلى السلاح تجعلها مرتبطة ارتباطاً مباشراً بالسياسة الدولية، فالدول العربية الداعية إلى العمل العسكري، كمصر وسوريا، لا تستطيع الإقدام على أي معركة ‏إذا لم تضمن موافقة المعسكر الشيوعي على الاستمرار بتزويدها بالسلاح، وإذا لم تؤمن المال اللازم له.

‏واسرائيل، هي الأخرى، بحاجة الى موارد مستمرة من الأسلحة الغربية حتى تخوض معركة طويلة. وهكذا لا يمكن فصل المشاكل العربية عن الاعتبارات الدولية في أهم مادة من مواد القتال، أي ‏السلاح.

‏إلى هنا، يجب ان نضيف مصالح الدول الكبرى، كالصراع القائم على قبرص في جوار البلاد العربية، واهتمام الدول الغربية بأن يبقى النفط سائلاً إلى أوروبا من المنابع العربية، واهتمام ‏الروس بتعطيل هذا السيلان حتى يتمكنوا من بيع نفطهم في أوروبا.

وهكذا نجد أن تقرير المصير في الأشهر القادمة لا يتوقف علينا وحدنا، ولا على العدو وحده، وأن الدول الكبرى ‏تملك الحل والربط إلى حد كبير. وبالتالي قد تكون الحوادث التي ستقع - او لا تقع - انعكاس لنفوذها وخططها.