© Kamel Mrowa Foundation 2017

الرواية الرسمية:

فيلم بوليسي قصير

فيما يلي نص القرار الاتهامي الذي صدر عن القضاء اللبناني في 23 حزيران (يونيو) 1966،​ وفيه كل تفاصيل عملية الإغتيال.

وتم حذف بعض النصوص الثانوية والقانونية بهدف الإختصار. كما جرى إضافة عناوين بالخط الأبيض لتحديد الأجزاء وتوضيح السياق.

ويشار الى أن هذا القرار هو الرواية الرسمية لعملية الإغتيال، ومن المرجح أنه اشتمل على معلومات ملفقة. ولكنه يبقى وثيقة قيمة، لكشفه تفاصيل تحضير المؤامرة ومراحل تنفيذها.

القرار الظني

 

نحن أمين الحركة المحقق العدلي،​

لدى الإطلاع على المرسوم رقم 4519 تاريخ 20/5/1966 والقاضي بإحالة قضية الاعتداء على أمن الدولة الداخلي، الواقعة في بيروت بتاريخ 16/5/66 والتي أسفرت عن مقتل المرحوم كامل مروة صاحب جريدة «الحياة» وإحالة جميع القضايا المرافقة لهذه القضية والمتفرعة عنها، وجميع الأشخاص الذين اشتركوا أو تدخلوا بها، بأية صفة كانت على المجلس العدلي.

ولدى الإطلاع على الإدعاء رقم 1 تاريخ 20/5/1966

ولدى الإطلاع على الأوراق كاملة.

تبيّن أنه أسند:

 

■ المتهمون الرئيسيون الأربعة

أولاً: إلى المدعى عليهم:

1 – عدنان عثمان شاكر سلطاني والدته سعدية عمره 23 سنة من بيروت أوقف وجاهياً بتاريخ 18/5/1966 ولا يزال.

2 – إبراهيم عبد القادر قليلات والدته يسر عمره 30 سنة من بيروت أوقف غيابياً بتاريخ 19/4/1966 ولا يزال فاراً.

3 – محمود محمد الأروادي والدته سعدية عمره 24 سنة من بيروت أوقف غيابياً بتاريخ 17/5/1966 ولا يزال فاراً

4 – أحمد فؤاد المقدم والدته أمينة عمره 28 سنة من بيروت أوقف غيابياً بتاريخ 19/5/1966 ولا يزال فاراً.​

بأنهم في بيروت وبتاريخ لم يمر عليه الزمن أقدموا:

الأول: عدنان على قتل المرحوم كامل مروة عمداً بسلاح حربي غير مرخّص به.

الثاني: إبراهيم على تحريض عدنان على ارتكاب جريمة القتل المار ذكرها.

الثالث: محمود على التدخل والاشتراك في جريمة القتل.

الرابع: أحمد على التدخل في جريمة القتل.​

وأسند إليهم جميعاً إقدامهم على نقل واقتناء أسلحة حربية غير مرخّص بها.

الجرائم المنصوص عليها في المواد 549 و213 و217 و218 و219 و220 من قانون العقوبات والمادة 72 من قانون الأسلحة.

 

■ المتهمون الثانويون

 

ثانياً: إلى المدعى عليهم:

1 – عبد الهادي أحمد بكار والدته فهيمة عمره 23 سنة سوري.

2 – صبحي يوسف بكار والدته تحية عمره 29 سنة من بيروت

3 – أحمد محمد الأروادي والدته سعدية عمره 34 سنة من بيروت

4 – أحمد عثمان سلطاني والدته سعدية عمره 30 سنة من بيروت

5 – مصطفى محمد الأروادي والدته سعدية عمره 22 سنة من بيروت

6 – محمود عثمان شاكر سلطاني والدته سعدية عمره 27 سنة من بيروت

بأنهم في بيروت وبتاريخ لم يمر عليه الزمن، أقدموا على كتم معلومات بقضية مقتل المرحوم كامل مروة الجريمة المنصوص عليها في المادة 408 من قانون العقوبات.

ثالثاً: إلى المدعى عليهم:

1 – شاكر عبد القادر قليلات والدته يسر عمره 23 سنة من بيروت أوقف وجاهياً بتاريخ 21/5/66 وأُخلي سبيله بتاريخ 28 منه.

2 – نياز فؤاد المقدم والدته أمينة من بيروت أوقف وجاهياً بتاريخ 21/5/1966 وأُخلي سبيله بتاريخ 13/5/1966.

3 – عصام شاكر مملوك والدته بدرية عمره 27 سنة من بيروت أوقف وجاهياً بتاريخ 21/5/1966 وأُخلي سبيله بتاريخ 31/5/1966.

بأنهم في بيروت وبتاريخ لم يمر عليه الزمن، أقدموا على حيازة أسلحة وذخائر حربية غير مرخّص بها، الجريمة المنصوص عليها في المادة 72 من قانون الأسلحة.

وبنتيجة التحقيق تبيّن:

■ من هم المتهمون الرئيسيون؟​

أولاً: في الوقائع:

المدعى عليه، إبراهيم عبد القادر قليلات، من شباب طريق الجديدة، يتمتع بنفوذ مرموق في محلته حيث تهابه بعض العناصر، عن رهبة أو رغبة، تمكن بفضل نفوذه هذا وسخاء كفه من أن يعتمد لنفسه أتباعاً يحيطون به، لا يردون له طلباً، مهما كانت نتائجه خطيرة، وعواقبه وخيمة.

والمدعى عليه، أحمد فؤاد المقدم، سائق سيارة إبراهيم، من أقرب المقربين إليه، وأشد أعوانه تعلقاً به وإخلاصاً له، يرافقه كالظل، ولا يفترق عنه إطلاقاً، لا نهاراً ولا ليلاً.

والمدعى عليه عدنان شاكر سلطاني من محلة عين المريسة، شاب في الثالثة والعشرين من العمر، ترك الدراسة بعد نيله الشهادة الابتدائية عام 1957 وأخذ يتقلب في الأعمال، فكان إذا تعاطى مهنة، عاد بعد مدة فاستبدلها سواها، تنتابه من حين إلى آخر فترات انقطاع عن العمل.

وتعود علاقة عدنان بإبراهيم إلى ثلاث سنوات خلت، وتتميز بأواصر الصداقة والإخلاص الشديدين، وبالثقة العمياء التي كان يكنّها عدنان لإبراهيم، شخصاً وقولاً وفعلاً.

وقد توطدت هذه العلاقة، بصورة خاصة، بعد تعيين عدنان في بنك إنترا، بفضل توسط ومساعي إبراهيم مما خلق لإبراهيم دالة وسطوة على عدنان، وجعل من هذا موضع ثقة الأول.

والمدعى عليه، محمود محمد الأروادي، صديق حميم لعدنان، وهما من محلة واحدة، وينتميان إلى جمعية رياضية ثقافية واحدة.

وسبق لمحمود أن عمل في جريدة «الحياة» مستخدماً منذ مدة سبع سنوات، وترك العمل بعد بضعة أشهر تلقائياً لأسباب صحية، وانقطع عن دار «الحياة» منذ ذلك الوقت.

وبين محمود وعدنان ثقة متبادلة لا تقف عند حد، يسر كل منهما للآخر بما يخالجه دون حذر أو ريبة، وكان لهذه الثقة بين محمود وعدنان، من جهة، والثقة المماثلة القائمة بين عدنان وإبراهيم من جهة أخرى، ما شجّع الأخير على توطيد ثقته بمحمود.

[...]

والمدعى عليهم الأربعة في ذات الوضع العائلي تقريباً، إذ إنهم غير متزوجين ولا تقوم على عاتقهم أية أعباء مباشرة، قد تقعدهم عن سلوك مغامرة من المغامرات الصعبة المراس.

والمرحوم كامل مروة، ركن كبير من أركان الصحافة اللبنانية، صاحب «دار الحياة» التي تصدر عنها جريدة «الحياة» السياسية الواسعة الانتشار، وجريدة «الدايلي ستار»، باللغة الإنكليزية.

وكان للافتتاحيات والمقالات والتعليقات التي تنشر في جريدة «الحياة» متناولة الأحداث والأوضاع العربية، الصدى البعيد ليس في لبنان فحسب، بل في مختلف الأقطار العربية، وحتى الأجنبية.

وكان المرحوم كامل مروة، في نهجه الصحفي، يناهض التيارات اليسارية على مختلف اتجاهاتها ونزعاتها، كما هو ثابت بالتحقيق وبأعداد جريدة «الحياة»، خاصة الصادر منها منذ مطلع العام الحالي حتى أوائل شهر أيار سنة 1966، والمضمومة إلى ملف التحقيق.

ويبدو أن المدعى عليه إبراهيم، وهو في نزعته العقائدية المناهضة لنهج المرحوم كامل مروة الصحفي، ساءه مثابرة جريدة «الحياة» على نهجها هذا، معتبراً أنه ضد القضايا العربية، فعقد النية على اغتيال كامل مروة، وأخذ يعد العدة لذلك ويتحرى عن الشخص أو الأشخاص الذين يمكنه أن يعهد إليهم بتنفيذ هذه المهمة الخطيرة.

ويظهر أن إبراهيم، وهو الذي يعرف عدنان خير المعرفة، أدرك أنه وجد فيه الضالة المنشودة، والشخص المؤهل لتنفيذ جريمة الاغتيال، فاختاره لهذه المهمة.

وبتأثير الروابط القائمة بين المدعى عليهم والعوامل التي سبقت الإشارة إليها – بالإضافة إلى مساعدات مادية، ووعود أغدقها إبراهيم وسيأتي بيانها في مكان آخر من هذا القرار – تمكن الأخير من زرع الفكرة الجرمية في ذهن عدنان وأحمد أولاً، كما تمكن من زرع نفس الفكرة الجرمية في ذهن محمود، كل بحسب الدور المعدّ له.

وقد تمّ بالنتيجة لإبراهيم تنفيذ الجريمة وفقاً للمراحل الآتية:

■ قليلات يجنّد سلطاني

في غرة شهر نيسان سنة 1966 وبمناسبة عيد الأضحى المبارك كان عدنان في منزل إبراهيم من جملة من كان، لأداء فروض التهنئة والمعايدة، وقبل انصرافه، استمهله إبراهيم بقولة: «أنا عايزك». غير أن عدنان لم يكن في وسعه الانتظار، بسبب اضطراره للسفر إلى مصر، بذات النهار لزيارة خطيبته بمناسبة العيد، فانصرف على الأثر.

ولم تطل إقامة عدنان في مصر، أكثر من ثلاثة أو أربعة أيام، عاد بعدها إلى بيروت بتاريخ 5/4/1966 واتصل هاتفياً فور رجوعه بإبراهيم، وحضر إلى منزل هذا الذي عرض عليه الخطة المبيّتة، بأن أسرّ إليه بأنه يقصده في قضية مهمة وخطيرة تتعلق بقتل أحد الصحافيين.

ولم يتبادر إلى ذهن عدنان، أن الشخص المقصود هو المرحوم كامل مروة، إلاّ بعد أن سماه إبراهيم له وأوضح الأسباب الداعية إلى ذلك: «إن كامل مروة من أعوان الاستعمار الخطرين ومن الرجعيين وضد القضية العربية».

وطلب إبراهيم من عدنان أن يدرس الموضوع، ويعود إليه بالنتيجة بعد ثلاثة أيام.

ويظهر أن عدنان في دراسته الموضوع، وجد من الخطورة أن يتولى المهمة منفرداً، ورأى أن يتعاون مع شخص آخر لتنفيذها، ولما لم يتيسر له هذا الأمر بالسرعة الممكنة، عاد فاتصل بإبراهيم بتاريخ 7 نيسان أي بعد يومين من اللقاء السابق، وأبلغه عدم توصله إلى شخص أمين يعاونه في ذلك، فأمهله إبراهيم مجدداً لدراسة الموضوع.

 
 
 
 

 

■ إستكشاف بيت مري

وبتاريخ 20/4/1966 اتصل إبراهيم بعدنان هاتفياً، بواسطة جار له من آل المزبودي، وطلب إليه أن ينتظره عند الساعة الرابعة والنصف، من بعد ظهر اليوم ذاته، على طريق كورنيش المنارة، قرب الجامعة الأميركية.

ولما وصل عدنان إلى المكان وفي الموعد المحددين، وجد في انتظاره المدعى عليهما إبراهيم قليلات وأحمد المقدم، وقد ظهر الأخير في هذه المناسبة لأول مرة على مسرح العملية المتفق عليها، وانفرد إبراهيم بعدنان، وأخذا يتحدثان في الموضوع، وهما يسيران على الأقدام.

ولما وثق إبراهيم من موقف عدنان، استقلا وأحمد سيارة فيات خصوصية رقم 19909 يملكها الأخير، بل بالأحرى هي مسجلة على اسمه يستعملها إبراهيم غالباً في تنقلاته، ويقودها أحياناً بذاته، كما يقودها له أحمد أحياناً وانتقلوا جميعاً إلى بيت مري، حيث منزل المغدور ليقوم إبراهيم بإرشاد عدنان إليه، بقصد درس موقعه ومنافذه، على اعتبار أن الاتفاق قد حصل أصلاً، على تنفيذ عملية القتل، قرب هذا المنزل.

وأثناء الطريق كان احمد بالإضافة إلى إبراهيم يشدد عزيمة عدنان ويشجعه على اقتراف الجريمة بقوله له: «إن القضية بسيطة بس بدها أعصاب»، كما أن أحمد المذكور عرض على عدنان خطة الاغتيال في بيت مري، وأوصاه بأن يوقف السيارة في عرض الطريق، أثناء قدوم سيارة كامل مروة، ويتظاهر بأن سيارته معطّلة، فيستوقف سيارة الأخير، ويطلب من سائقها مفك براغي، ليتمكن بهذه الحيلة من إلهاء كامل مروة ومن معه، فيقدم على قتله برصاص المسدس.

ولم يكن عدنان يعرف مركز منزل المغدور كامل مروة، في بيت مري، قبل أن أرشده إليه إبراهيم، وعندما نقل عدنان إلى بيت مري لتمثيل عملية الإرشاد هذه، تمكن بعد قليل من التفكير من تعيين الاتجاه الذي سلكته السيارة، والطرق التي ولجتها، وبالتالي من الدلالة على المنزل المذكور.

غير أن عدنان لم يبدُ متحمساً لمشروع تنفيذ الجريمة في بيت مري، بالنظر للصعوبات التي قد تعترضه، خاصة أنه غريب عن المنطقة، ويخشى أن تداهمه إحدى السيارات المارة، أو يفاجأ بأحد الأشخاص العابرين فيكشف الأمر.

■ إختيار مبنى "الحياة"

وأقلع إبراهيم وأحمد وعدنان عن مشروع التنفيذ في بيت مري، وتوافقوا على أن تقترف الجريمة في «دار الحياة» بالذات في بيروت، وتكررت الاجتماعات فيما بينهم لاشباع الموضوع درساً، تارة داخل سيارة الفيات، وطوراً على كورنيش المنارة، بعد أن أكد إبراهيم على عدنان ضرورة الاستعانة بشخص آخر لمعاونته بالجريمة، شرط أن يكون موضع ثقة، ليسهل العمل في جو من الأمانة والكتمان.

وكان عدنان، في أوقات الفراغ، يدرس إمكانية الاغتيال، وأحكام الطرق الآيلة إلى أنجاح الخطة، دون توريطه في عواقبها، وما أن التقى صديقه المدعى عليه محمود الأروادي، حتى تذكر أن هذا كان يعمل سابقاً في «دار الحياة» وأنه واقف بالتالي على أسرارها، فأسرع يستوضحه منهاج عمل كامل مروة في «دار الحياة» وتنقلاته، غير أن محمود اعتذر عن إعطاء الإيضاحات المطلوبة نظراً للنسيان بسبب عامل الزمن، عندها خطرت على بال عدنان فكرة إعادة توظيف محمود في جريدة «الحياة» على أمل الاستعانة به في تنفيذ الجريمة، وعرض عليه الفكرة فوافق عليها.

وبالفعل فقد توسط عدنان مع الشاهد السيد عادل الأسعد، رئيس مصلحة الإعلانات العامة في بنك إنترا، في سبيل هذه الغاية، فعهد إليه الأخير ببطاقة توصية باسم السيد سامي عطية مدير الإدارة في جريدة «الحياة» وانتقل عدنان ومحمود بهذه البطاقة إلى «دار الحياة» حيث تمّ توظيف محمود فيها، موزعاً للمخابرات الهاتفية، واستلم عمله في اليوم التالي، قبل الجريمة بأيام معدودة.

وما أن باشر محمود العمل في جريدة «الحياة» حتى أسرع عدنان إلى إبراهيم وعرض عليه فكرة التعاون مع محمود، بعد أن أطلعه على ما تمّ بشأن تعيينه، فوافق إبراهيم على الفكرة، شرط أن يكون محمود موضع ثقة حرصاً على السريّة والكتمان.

وفي اليوم التالي، فاتح عدنان محمود بأمر الاغتيال، فوافق هذا على الفكرة، بعد وقوفه على الأسباب والدوافع والوعود، وأخذ يزوّده بأخبار تتعلق بمنهاج عمل كامل مروة في «دار الحياة».​

وفي هذه الأثناء كان عدنان يحتفظ بمفكرة جيب خاصة لعام 1966 دوّن عليها بخط يده من جملة ما دوّن:

  • في الصفحة الأخيرة:

الاسم: الريّس إبراهيم قليلات.

العنوان: طريق الجديدة شارع أبو شاكر.

رقم التلفون: 242671 - منزل.

  • في الصفحة العائدة ليوم السبت في 30/4/1966 العبارة التالية، تتخللها كلمتان مشطوبتان:

موعد الساعة 5:30 مقهى الروشة (كلمة مشطوبة) بخصوص (كلمة مشطوبة).

  • وفي الصفحة العائدة ليوم الأحد في 1/5/1966 العبارة التالية وقد تخللتها كلمتان مشطوبتان:

الساعة 9 صباحاً مقابلة على الإفطار (كلمة مشطوبة) بخصوص (كلمة مشطوبة)

وتبيّن أن الكلمتين المشطوبتين، في كل من الصفحتين المذكورتين، أصل الأولى منهما «قليلات» وأصل الثانية «الحياة» وأن الموعدين المعنيين هما اللذان كان قد حددهما عدنان مع إبراهيم، للاجتماع به والتباحث معه بشأن الجريمة. وقد شطب عدنان الكلمات المذكورة قبيل الجريمة زيادة في الحرص وخشية وقوع المذكرة في يد الغير.

 

■ المسدس الكاتم للصوت

ويوم الأحد الواقع في 1/5/1966 وهو الموعد الذي سبق لعدنان أن دوّنه في مفكرته، اجتمع المدعى عليهم عدنان ومحمود وإبراهيم، وكان هذا اللقاء، الأول بين الأخيرين. وفي سبيل تدريب عدنان على استعمال المسدس كاتم الصوت، انتقلوا في سيارة الفيات نفسها، وكان يقودها إبراهيم نحو عرمون، وهناك وفي مكان غير مكشوف وغير آهل، بالقرب من زريبة للمواشي قديمة العهد في المحلة المعروفة بجورة البلوط، أوقف إبراهيم السيارة وسار وعدنان مشياً على الأقدام، في محلات وعرة وشائكة مسافة تقارب المائة متر من الطريق العام، وبوصولهما إلى موقع صخرة كبيرة وعالية، توقف الاثنان وسلّم إبراهيم إلى عدنان مسدساً من عيار 6 ملم مع كاتم للصوت كان قد استحضره خصيصاً، وطلب إليه أن يتمرن على استعماله، إذ إن عدنان كان يستعمل هذا المسدس لأول مرة، فوضعا قصاصة من جريدة على نبتة برية، وأخذ عدنان يتمرن على استعمال هذا المسدس، فاطلق منه طلقات عديدة تجاوزت الثلاثين.

أما محمود، فقد بقي واقفاً على الطريق العام، بجانب سيارة الفيات، يراقب عملية التمرين من بعيد، ويحمل جفت صيد للتضليل.

وفي طريق العودة من جبل عرمون، عرّجوا على تخشيبة لبيع المرطبات، حيث أخذوا قسطاً من الراحة، بعد أن تناول كل منهم زجاجة مرطبة.

ويوم الجمعة في 6/5/1966 الموافق عيد الشهداء، انتقل إبراهيم وعدنان وأحمد المقدم مرة ثانية إلى عرمون، للغاية ذاتها، بسيارة الفيات نفسها، وكان يقودها أحمد، وهنالك، وفي مكان آخر يبعد عن المكان الأول حوالى الستين متراً، ويقع بمحاذاة تنور للكلس، أخذ عدنان بحضور إبراهيم يتمرن مجدداً على استعمال المسدس كاتم الصوت، وأطلق منه عدة طلقات، كما أطلق إبراهيم رصاصة واحدة من مسدسه عيار 9 ملم.

وكان دور أحمد في حلقة التدريب الثانية، كدور محمود في الأولى، فبقي قرب السيارة، منتظراً وحاملاً جفت صيد، قصد التضليل عند الاقتضاء.

ولما عاد إبراهيم وعدنان قال لهما أحمد أنه «سمع ضرب قوي» فأجابه إبراهيم: «قوست ضرب من فردي».

هذا مع التنويه بأن عدنان كان أثناء تمارينه المحكى عنها قد استعمل، بالإضافة إلى المسدس كاتم الصوت، مسدساً عادياً آخر عيار 6 ملم.

ولدى قيامه بتمثيل عملية التمرين في المكانين اللذين أرشد إليهما، عثر على قذائف فارغة لمختلف الأسلحة المستعملة.

ويوم الأحد الواقع فيه 8/5/1966 نقد إبراهيم عدناناً مبلغ خمسماية ليرة لبنانية من فئة الماية ليرة، وقد اعترف عدنان بهذه الواقعة، بعد أن صودر منه المال، زاعماً أنه قبضه للاستعانة به، بعد الجريمة، في حال القبض عليه.

وثبت من جهة أخرى، باعتراف عدنان نفسه، أنه قبض من إبراهيم، لحساب محمود الأروادي، ماية ليرة لأجل مساعدته على دفع بدل إيجار المنزل.

■ إستئجار شقة المؤامرة

وبعد ظهر الاثنين في 9/5/1966 حضر أحمد المقدم إلى بناية بشير الحبال - شارع العرداتي - رأس بيروت المؤلفة من جناحين، والمشتملة على أكثر من ثلاثين شقة مفروشة معدة للإيجار، وسأل بواب البناية جواد سلمان أبو حاطوم حماده أن يرشده إلى شقة خالية، فصعد معه هذا إلى الطبقة الثانية، وعرض عليه الشقة رقم ـ 4 ـ وبعد أن ألقى أحمد نظرة فاحصة على أرجائها، انصرف على أن يتصل بالبواب أو يعود مرة ثانية.

وفي مساء اليوم نفسه عاد أحمد إلى ذات البناية، في سيارة يرافقه فيها شخص آخر واجتمع بالبواب جواد، وفاوضه بشأن الإيجار، وتمّ الاتفاق على استئجار الشقة بمبلغ ثلاثماية ليرة لمدة شهر واحد، وتظاهر أحمد أمام البواب بأن مرافقه هو المستأجر، وبأنه يدعى علي شمس الدين، كما سجل الاسم نفسه في دفتر الإيجارات، وانصرف أحمد ورفيقه المستأجر الوهمي، دون أن يشاهد هذا الشقة المستأجرة أو يسأل عنها على الأقل.

وكان الغرض من استئجار الشقة تمكين الجناة من اللجوء إليها، والاختفاء فيها عند الهرب إثر الاغتيال.

وتبين أن البواب جواد تعرف فوراً على رسم أحمد المقدم الشمسي، عند عرضه عليه من قبلنا، من بين رسوم عديدة، عائدة لأشخاص عديدين، وأكد أنه رسم الشخص الذي فاوضه بشأن الإجارة، ودفع له البدل، بحضور علي عبد السلام شمس الدين المزعوم.

وتبين أن علي عبد السلام شمس الدين الحقيقي هو من قرية مجدل سلم ـ قضاء مرجعيون، متزوج من شقيقة أحمد المقدم، وقد هاجر إلى البرازيل منذ أكثر من أربع سنوات، ولم يرجع إلى لبنان حتى الآن.

وتبين أن الأوصاف التي أعطاها الشاهد، البواب عن الشخص الذي كان يرافق أحمد، تنطيق على أوصاف المدعى عليه إبراهيم.

وظهيرة الثلثاء في 10/6/1966 حضر أحمد المقدم مجدداً إلى البناية واستلم من البواب مفتاحي الشقة، أحدهما للباب الخارجي شبيه مفتاح اليال، والآخر عادي لباب داخلي.

ونهار الأربعاء في 11/5/1966 حضر أحمد مجدداً إلى الشقة، ناقلاً إليها حقيبة ثياب.

وفي ذات اليوم اجتمع عدنان بإبراهيم وأحمد، في سيارة الفيات قرب فندق الكرلتون، بناء على موعد سابق، واستلم عدنان من أحمد بحضور إبراهيم مفتاحي الشقة التي تقرر بالاتفاق بين الثلاثة، أن يلجأ إليها عدنان ومحمود بعد ارتكاب الجريمة، وبطريق العبور الموقت، تمهيداً للفرار.

وفي الساعة التاسعة والنصف من مساء اليوم نفسه، وبناء على اتفاق سلبق، حضر عدنان وأحمد معاً إلى الشقة، حيث قام أحمد بإرشاده وتشجيعه وطمأنه بخصوص بواب البناية، بأن لا يهتم لأمره لأنه رجل بسيط، ويترك البناية في الساعة التاسعة مساء، وبخصوص الشقة بأنها في أمان، وطلب إليه بالحرف الواحد: «بس تعملوا شغلتكم بتجو عالشقة وبتنتظروا إشارة منا».

ويوم السبت في 14/5/1966، اجتمع عدنان بمحمود وتداولا في الخطة النهائية لاغتيال كامل مروة، فأكد له محمود أن السيدة إيفون مامو سكرتيرة الأستاذ مروة، تغادر المكتب قبله، ولا يبقى شخص يخشى منه سوى جميل خريس، الحاجب في «دار الحياة» وفكّرا بالطريقة التي تؤمن لهما التخلص منه، وتوافقا بالنتيجة على إبعاده عن طريق تلفيق أكذوبة مآلها احتراق بيته، فيقوم عدنان بتسهيل من محمود بوصفه موزع المخابرات، بإبلاعها إلى جميل خريس هاتفياً، قبيل ساعة التنفيذ، فيخلو الجو تماماً بانصراف الحاجب جميل.

وتبين أن عدنان هو الذي عرض هذه الفكرة، علماً بأن إبراهيم كان قد اقترح سابقاً ـ في أحد اللقاءات عندما استوضحه عدنان عن الطريقة ـ أن يقوم محمود بتكليف جميل باستحضار بعض الأغراض من مكان بعيد عن «دار الحياة».

■ الإجتماع النهائي والحاسم

وفي منتصف ليل السبت ـ الأحد في 15/5/1966 حصل الاجتماع الحاسم بين عدنان وإبراهيم وأحمد ومحمود، في الشقة المستأجرة وتمّ أثناء هذا الاجتماع إحكام جميع المراحل السابقة للاغتيال والمرافقة له، واللاحقة به على الوجه التالي:

1.    عهد إبراهيم إلى عدنان بحقيبة صغيرة، نيلية اللون بداخلها: مسدس عيار 6 ملم مع كاتم للصوت، وكمية من القذائف الصالحة للاستعمال، ومسدس آخر عادي عيار 8 ملم مع مشط.

2.    عهد إبراهيم إلى محمود بمسدس من عيار 7 ملم، وأوصاه بنقله معه على سبيل الاحتياط.

3.    قام عدنان بتمثيل دوره في تنفيذ الجريمة المرتقبة، مستعرضاً جميع الأدوار المكلّف بها.

4.    عيّن يوم الاثين أو الثلثاء القادمين في 16 أو 17/5/1966 موعداً مبدئياً لوقوع الاغتيال، إلا إذا كانت الفرصة غير سانحة، ولا مؤاتية لسبب من الأسباب.

5.    احتفظ كل من عدنان ومحمود بمفاتيح الشقة، وقد تسلماها من أحمد بعد أن قام بصب مفاتيح مماثلة، على اعتبار أنه لم يستلم أصلاً من البواب سوى مفتاح واحد للباب الخارجي، وآخر لباب داخلي.

6.    اقترح عدنان أن يستمر محمود في عمله في «دار الحياة» بعد الجريمة، إبعاداً للشبهة بينما رأى إبراهيم أن يهرب محمود، بالإضافة إلى عدنان، وتمّ الاتفاق بالنتيجة على أن يلجآ إلى الشقة مؤقتاً بانتظار إشارة من أحمد. وكان إبراهيم مصيباً في رأيه هذا، إذ إن بقاء محمود في مركز عمله،÷ بعد الجريمة، من شأنه أن يثير الشبهات حوله، على اعتبار أنه من المفروض فيه بحكم مكان جلوسه، قرب مقسم الهاتف، قبالة مكتب المغدور، أن يراقب العابرين إلى هذا المكتب، والخارجين منه، فيضطر، عند التحقيق معه، للافصاح عن هوية الجاني.

7.    أبلغ إبراهيم الحاضرين، أنه إبعاداً لكل شبهة، سيسافر إلى مصر ليل تنفيذ الجريمة، وعيّن موعداً لسفره يوم الأحد أو الاثنين المقبلين.

وبالفعل، فقد ثبت أن إبراهيم غادر الأراضي اللبنانية يوم الأحد في 15/5/1966 عند الساعة التاسعة صباحاً عن طيرق مطار بيروت، باتجاه فرنسا، على طائرة من طائرات ايرفرانس.

وعند ظهر يوم الاثنين في 16/5/1966 أبلغ عدنان والدته أنه مضطر للسفر في هذا النهار إلى سوريا، وأن لا موجب لانشغال فكرها عليه، إذا لم يعد أو إذا طال غيابه.

وفي تمام الساعة الثالثة إلا ربعاً من بعد ظهر اليوم نفسه، وصل عدنان إلى الشقة المستأجرة للاجتماع بمحمود، بناء على اتفاق سابق، وقد نقل معه حقيبة تحتوي على أمتعة وملبوسات مختلفة، لاستعمالها بعد اقتراف الجريمة والهرب.

وحصل الاجتماع بين عدنان ومحمود، وتمّ الاتفاق على أن يتصل هذا هاتفياً بالأول، على دكانة كامل التنير، البقال في عين المريسة، ليحيطه علماً بالظروف، وبما إذا كانت مؤاتية لمباشرة التنفيذ أم لا، أعطاه عدنان رقم الهاتف 255427.

وصودف أن التقى عدنان في صعوده إلى الشقة ونزوله منها، بواب البناية، فبادره بالتحية «مرحبا» في المرتين.

 
 
 
 
 

 

■ ساعة الصفر

ولما حان موعد التنفيذ، وكانت الساعة قد قاربت الثامنة من مساء ذلك اليوم، حضر عدنان إلى دكان التنير، حسب الاتفاق لانتظار المكالمة الهاتفية، وتظاهر أمام البقال بأنه ينتظر تلفوناً من آنسة تدعى سميرة، فلم يعره الأخير اهتماماً، وبقي منصرفاً إلى أشغاله.

ولما لم يتصل محمود بعدنان في الموعد المحدد، حسب الاتفاق، خرج عدنان من دكانة التنير إلى دكانة أبو كمال المقابلة، واتصل هو هاتفياً بمحمود يستفسر عن الظروف، فأجابه هذا بأن لدى الأستاذ مروة شخصاً من آل البربير، فأكد عليه عدنان بأنه سيبقى، منتظراً المكالمة، في دكانة كامل التنير.

وبالفعل وفي تمام الساعة التاسعة إلا ثلثاً، رنّ جرس الهاتف في الدكانة، فتلقاه وإذا بمحمود على الطرف الآخر من الخط، يخبره بأن الأستاذ مروة قد أصبح في المكتب لوحده باستثناء الحاجب جميل خريس.

وطبقاً للخطة المرسومة، طلب عدنان من محمود أن يدعو جميل إلى الهاتف للتحدث إليه، فدعا محمود جميلاً قائلاً أن المخابرة له، فسأله هذا عن المخاطب وأجابه محمود بكل برودة أنه يجهله لأن الاتصال من خارج بيروت، فقام جميل إلى جهاز الهاتف، وأمسك بالسماعة وسمع صوت شخص لا يعرفه، (وهو صوت عدنان على الطرف الآخر) يسأله إذا كان هو جميل خريس، فأجابه الأخير بالإيجاب، فأخبره بأن المخاطب هو مفوض درك، وأن على جميل الحضور إلى مخفر النبعة، لأن في بيته حريقاً، وقد نقلت امرأتان إلى المستشفى، فاضطرب جميل للنبأ المفاجئ، وأسرع في الانصراف باتجاه المخفر.

ولما أنهى عدنان المكالمة الهاتفية، دون أن ينتبه صاحب الدكانة إلى موضوعها وفحواها تأكد له أن الظروف قد أصبحت سانحة، والجو مهيئاً، فخرج ساعياً للانتقال بسيارة إلى جانب جريدة «الحياة». وإذ بمرور شقيقه محمود صدفة بقربه يمتطي دراجة بخارية، فطلب منه نقله إلى دار «الحياة» بسرعة، متظاهراً بأنه يحمل رسالة سرّية لصاحبها، وكان بالفعل يحمل حقيبة هي الحقيبة النيلية اللون التي استلمها من إبراهيم، وضمنها المسدس كاتم الصوت، محشواً، مع عدة قذائف صالحة عائدة له، ومظروف دوّن عليه باللغة الإنكليزية: السيد كامل مروة - دار الحياة - سرّي - وبداخله رسالة وهمية، كناية عن ورقة مقتطعة من كتاب باللغة الإنكليزية، ملصقة على ورقة ثانية، تحمل اسم بنك إنترا كعنوان، وكان يرتدي طقماً رمادي اللون (باج) ويضع نظارتين ملونتين على عينيه، ويحمل في وسطه المسدس عيار 8 ملم المسلّم إليه من إبراهيم.​​

وقد أوصله شقيقه إلى جانب «دار الحياة» وانصرف وكانت الساعة قد قاربت التاسعة ليلاً.

وعندما حاول دخول البناية، اعترضه الحارس الليلي علي رمال بسؤاله، "لوين يا أستاذ؟" وصودف إذ ذاك وجود عامل الهاتف على مدخل بناية الدار لطفي موسى إدريس، فبادره عدنان فوراً بالسلام والمصافحة، الأمر الذي سهل ابتعاد الحارس عنه، ثم سأل عدنان عامل الهاتف: الأستاذ فوق؟ فأجابه لطفي: «مين الأستاذ؟» فبادره عدنان بقوله: «محمود الاروادي» وكان قد سبق للطفي المذكور أن شاهد عدناناً، يوم حضر مع محمود لمقابلة الأستاذ عطية مدير الإدارة، بخصوص التوظيف، فلم يوجس خيفة، وأجابه بالإيجاب.

وصودف لسوء طالع المرحوم المغدور كامل مروة، أن خلا الجو لعدنان، إلا من محمود الخبير بأوضاع الطبقة التي يعمل فيها المرحوم صاحب دار «الحياة»، إذ إنه في تلك اللحظة بالذات وفي الطبقة الأولى حيث مكتب المغدور كان يجلس محمود على كرسيه، عند مقسم الهاتف، يقابله مباشرة المكتب للجهة الشمالية، وكانت أكثرية الغرف القائمة في هذه الجهة خالية من الموظفين.

فالغرفة الأولى، الواقعة للجهة الغربية، بجانب المكتب هي التي تشغلها السيدة إيفون مامو سكرتيرة الأستاذ مروة، وكانت قد غادرتها، لانتهاء دوام عملها.

والغرفة الثانية الكائنة في الجهة الغربية أيضاً، والمحاذية لغرفتها، وهي المعدة لاجتماعات المحررين، كانت خالية أيضاً بسبب ارفضاض الاجتماع، وانصراف كل إلى مكتبه، بمن فيهم الأستاذ مروة نفسه.

أما الغرف الأخرى، فلم يكن وجود لموظفين فيها ليفيد شيئاً، على اعتبار أن مكان وجودهم معزول وبعيد نسبياً عن مكتب المغدور، بالإضافة إلى أن أبواب هذا المكتب تبقى عادة مقفلة بصورة دائمة، وإلى أنه لم يكن من شأن صوت الطلقات الخافتة، أن تثير انتباه من هم خارج المكتب المذكور.

■ عملية الإغتيال

وما أن وصل عدنان إلى الطبقة الأولى على مقربة من محمود، حتى أسرع هذا، حسب الاتفاق، إلى فتح مكتب الأستاذ مروة، معلناً له حضور موظف من بنك إنترا، يحمل رسالة سرّية، وعاد إلى مكان جلوسه، أمام مقسم الهاتف، بعد أن أذن الأستاذ مروة بدخول الزائر الليلي، ودخل عدنان إلى المكتب، وألقى التحية على الأستاذ مروة الذي كان جالساً وراء طاولته، وناوله مظروف المكتوب الوهمي، بعد أن سحبه من الحقيبة التي وضعها على طاولة المكتب، فور دخوله.

وفي اللحظة التي استلم فيها المغدور الرسالة الوهمية من عدنان، رنّ الهاتف داخل المكتب، وكان محمود هو القائم بهذه المخابرة، بقصد الإمعان في إلهاء الأستاذ مروة، عملاً بالاتفاق الحاصل مع عدنان، فأمسك المغدور بسماعة الهاتف، ثم أعادها إلى مكانها، قائلاً للمخاطب أنه مشغول، فيما كان يوجه نظره إلى الرسالة.

وفي هذه اللحظة بالذات كان عدنان يخرج من الحقيبة التي وضعها على الطاولة، المسدس كاتم الصوت، ويسدده باتجاه صدر المغدور كامل مروة، ولمسافة لا تزيد عن المتر الواحد، ويطلق عليه طلقة واحدة خافتة، لم يسمع صوتها بوضوح في الخارج.

وفي هذه الأثناء كان المغدور لا يزال متمالكاً كامل وعيه، رغم الإصابة، مدة دقيقتين نهض خلالهما من مكانه بقوة، وهجم باتجاه عدنان بسرعة، ودفعه إلى الوراء نحو الباب الزجاجي الشمالي، بعد أن سار خطوات معدودة، فهوى عدنان على الزجاج الذي تحطم بشدة، وأحدث صدى في المكتب وخارجه، وسقط المسدس أرضاً من يد عدنان بسبب ما حصل، وتهالك المغدور، وخارت قواه، فوقع أرضاً، والدم ينزف من صدره، بجانب مسدس الجاني.

أولاً: في الوقائع:

ويبدو أن عدنان ـ اثناء هجوم المغدور عليه وتدافعهما ـ قد أطلق على هذا طلقين آخرين من نفس المسدس، غير أنه أخطأه، وقد عثر في مكان الجريمة على ثلاث قذائف فارغة عائدة للمسدس المستعمل.

وتبين أن المغدور قد أصيب بالطلق الناري لجهة صدره الأيسر، بين الضلعين الثالث والرابع، واستقرت الرصاصة في صدره، بعد أن اخترقت جلد الصدر وعضلاته والرئة اليسرى والبطين الأيمن من القلب، وقد كانت السبب الكافي للوفاة السريعة، من جراء النزف الداخلي الصاعق.

وتبيّن أن المسدس القاتل، إيطالي الصنع، بينما ماسورته كاتمة الصوت هي من صنع مهنيين عاديين، إذ إنها تفتقر إلى الفن الصحيح، وتختلف مواصفاتها عن مواصفات المواسير التي تعدها مصانع الأسلحة.

وتبيّن من جهة أخرى، أن بين القذائف الفارغة، التي التقطت من حرج عرمون، بإرشاد المدعى عليه عدنان، 25 قذيفة طلقة من ذات المسدس الذي استعمله هذا في الجريمة.

■ الهروب من مسرح الجريمة

ويبدو أن محمود الأروادي قد اختفى، في الوقت الذي دخل فيه عدنان مكتب المرحوم كامل مروة، واللحظات التي استغرقها وجوده، حتى إطلاقه النار على المغدور.

وتبين أن عدنان خرج من مكتب الأستاذ مروة، بعد ارتكاب جريمته بهدوء وتؤدة، من نفس الباب الذي دخل منه، بعد أن ترك الحقيبة على الطاولة، والمسدس على الأرض.

وأثناء خروجه، وكان لا يزال بجوار مكتب الأستاذ مروة، يهم بقفل الباب الذي خرج منه إذا به يلتقي وجهاً لوجه ببعض المحررين في دار «الحياة» يتساءلون ويسألون عن مصدر الضجة، فرد عليهم بهدوء أن الضجة صادرة عن الأسفل، وأن الأستاذ يقول لهم: «أن الخناقة تحت».

فاندفع المحررون نزولاً، باتجاه المدخل حتى الطريق الواقع بجانب «دار الحياة» وكان عدنان ينزل معهم وبينهم، وكأنه واحد منهم.

غير أنه لما وصل الموظفون إلى الشارع، ولم يلاحظوا فيه، ولا في أسفل البناية، أمراً يلفت النظر، خصوصاً بعد أن قال لهم الحارس علي رمال والموظف لطفي إدريس - وكانا أصلاً عند مدخل البناية - أن مصدر الضجة من الطبقة الأولى «من فوق» استغربوا عدم إطلالة المغدور من مكتبه، كما فعل سواه، فاوجسوا من الأمر خيفة، وأسرعوا إليه ليجدوه في أرض الغرفة، مضرجاً بدمائه عاجزاً عن الكلام.

■ القبض على القاتل

وفي هذه الأثناء كان عدنان يمشي مشياً عادياً على الطريق، وكان أحد موظفي دار «الحياة» الشاهد رياض القادري قد ارتاب بوجود هذا الشخص الغريب بين المحررين وعمال الجريدة في مثل هذا الوقت، وبمناسبة هذا الظرف فاشتبه به وطلب من الحارس علي رمال مراقبته.

وأدرك عدنان وقوع شبهة عليه، فأسرع محاولاً الهرب، وهو يتلفت باتجاه الحارس الذي لحق به مع بعض المحررين والعمال في جريدة «الحياة» وهم ينادون ويصرخون «حرامي» «حرامي»، من أجل لفت الأنظار، لضرب الحصار حول الهارب، ودون أن يكونوا بعد قد علموا بحقيقة ما حدث.

وتراكض على الصياح الحارس الليلي الآخر محسن لمع، الذي كان منمركزاً في شارع سوريا، فلحق بعدنان، وضربه بالعصا على كتفه، فارتد عدنان لجهة الحارس وضربه على رقبته، وتماسكا، فوقع الحارس أرضاً، بعد أن تمكن من انتزاع المسدس الآخر الذي كان يحمله عدنان.

وفي هذه الأثناء علا صراخ الموظفين، بعد وقوفهم على الجريمة.

وكان عدنان قد هرب باتجاه مبنى اللعازارية، فلحق به الحارس علي رمال وأحد المارة رفيق المير، وبعد مطاردة مستمرة، تمكن عدنان من الصعود إلى سيارة عمومية رقم 81177، يقودها طانيوس جرجس يوسف، تسهيلاً لتواريه، فاستقل رفيق المير بدوره سيارة عمومية أخرى، سارت إثر السيارة الأولى التي تقل عدنان، واستمرت مطاردة المير لعدنان، إلى أن أدركه في محلة المصيطبة، فترجل رفيق المير من سيارته وتظاهر أمام عدنان بأنه من رجال الأمن، وقبض عليه، وسأقه إلى محل الحادث حيث سلمه إلى رجال الفرقة 16.

وقد تعرف الحاضرون على عدنان فور وصوله، ومن بينهم المحررون، والعمال الذين شاهدوه، والحارسان الليليان.

وجرى التحقيق الفوري مع عدنان، فاعترف بجريمته دون تردد.

وقد جرت مداهمات، تمّ بنتيجتها مصادرة بعض الأسلحة الحربية والذخائر من منزل أحمد ونياز المقدم.​

■ مصر هي الملاذ

وتبين أن عدنان ـ في معرض سرده الوعود التي أغدقها إبراهيم، لتشجيعه ورفيقه محمود على ارتكاب الجريمة، والأحاديث التي دارت مع إبراهيم حول هذا الموضوع ـ كان قد روى، نقلاً عن لسان الأخير، قوله:

«كامل مروة من أعوان الاستعمار الخطرين وضد القضايا العربية وعميل الرجعية».

«إن هذه القضية مهمة كثير بالنسبة للناصرية وتهم القضايا القومية، وإذا عملت العملية ونجحت فيها بتكون مبسوط في مصر. وفي حال انتقالي إلى مصر بعد الجريمة سيقدم لي بيت وسيارة وأكون مرتاحاً كثيراً ومؤمن ومبسوط ولا يمكن لأحد أن يعتدي علي».

«إنه استحضر المسدس كاتم الصوت من مصر».

«بعد ارتكاب الجريمة وحضورنا إلى الشقة يأخذ أحمد على عاتقه تسهيل انتقالنا من الشقة إلى السفارة في غياب إبراهيم، وأن سيارة من السفارة المصرية ستحضر لنقلنا مع محمود إليها».

«إنه (أي إبراهيم) الشخص الوحيد الذي يخسر في سبيل مصر».

«إذا تعقدت القضية وفضحت الجريمة أثناء وجودك في مكان حدوثها عليك أن تذهب فوراً إلى السفارة المصرية عوضاً عن الشقة نظراً للسرعة».

[...]

 
 
 
 
 

 

■ الأدلة الجنائية

ثانياً: في الأدلة

1 – اعترافات المتهم عدنان الصريحة الواردة في محاضر الاستجواب.

2 – محاضر الدلالة وتمثيل أدوار الجريمة كما قام بها عدنان والرسوم المرفقة بها.

  • محضر تمثيل التدرب على استعمال السلاح في عرمون (21/5/1966)

  • محضر تمثيل مراحل تنفيذ الجريمة في «الحياة» (25/5/1966)

3 – محاضر الكشوفات والمعاينات الحاصلة على جميع المواقع التي مرت فيها مراحل الجريمة: حرج عرمون – طريق بيت مري – الشقة المستأجرة – دار الحياة.

4 – المصادرات: خصوصاً مصادرة:

  • الحقيبة النيلية

  • الرسالة الوهمية

  • المسدس كاتم الصوت

  • المسدس الآخر الذي كان ينقله عدنان

  • مفكرته الخاصة لعام 1966.

  • مفاتيح الشقة المستأجرة التي كانت في حوزته.

  • أغراضه وأمتعته من الشقة

  • النقود التي قبضها من إبراهيم

  • القذائف الفارغة المتروكة في عرمون وفي مكان الجريمة

  • الرصاصة المستخرجة من صدر المغدور

  • الرصاصة التي عثر عليها في أرض المكتب.

  • محضر ضبط سيارة الفيات رقم 19909 وتعرّف المتهم عدنان وشقيق أحمد المقدم عليها.

6 – القرائن المستمدة من:

  • سفر إبراهيم قليلات إلى فرنسا قبل الجريمة، في الفترة نفسها التي عينها لعدنان ورفاقه.

  • تواريه بعد علمه باكتشاف الجريمة وقبل صدور أية مذكرة بحقه. (وبرقيات الأنتربول تاريخ 21 و27/5/1966 و7/6/1966).

  • الصلة والروابط الوثيقة القائمة بين إبراهيم من جهة وسائق سيارته أحمد المقدم من جهة أخرى، والتي لا يعقل معها، أن يتدخل هذا في الجريمة، دون أن يكون لمخدوميه ضلع فيها.

  • الشروحات المدونة بخط عدنان، في مفكرته، خاصة في الصفحتين العائدتين ليومي 30/4/1966 و1/5/1966.

  • فرار المتهمين محمود وأحمد وتمادي هذا الفرار.

7 – الاستنابات المنفذة من قبل آمر مفرزة الاستنابات القضائية وشهادة الأخير.

8 – شهادة الشهود وهم:

  • بحسب المراحل التي مرّ بها الاتفاق الجنائي حتى التنفيذ: وليد النقيب، محمد عبد الرحمن، عادل الأسعد، جواد أبو حاطوم حماده، كامل التنير

  • موظفو دار «الحياة»: سامي عطية، رياض القادري، جورج شامي، محمد العنان، لطفي إدريس، فضل جمول، ملحم عماد، جميل خريس

  • الحارسان الليليان: علي رمال، محسن لمع

  • الشاهدان: رفيق المير، طانيوس يوسف

9 – محاضر المقابلة الجارية بين المتهم عدنان وبين كل من الشهود: وليد النقيب، محمد عبد الرحمن، جواد حمادة، طانيوس يوسف

10 – التقرير الظني وشهادة منظمه الدكتور محمد روح غندور.

11 – التقارير الفنية وشهادة منظميها: الملازم أول نصير حماده، فرانس سيرا بونتيك

12 – محاضر المداهمات التي أدت إلى مصادرة أسلحة وذخيرة.

13 – أعداد جريدة «الحياة» العائدة للأشهر الخمسة السابقة:

14 – مجمل التحقيق.

وحيث أن الأدلة المتوافرة هي كافية لاتهام المدعى عليهم:

عدنان سلطاني

إبراهيم قليلات

محمود الأروادي

أحمد المقدم

والظن بهم، كل بما اقترفه.

وحيث أنه لم يقم في التحقيقات الجارية أي دليل على جرم كتم المعلومات المسند إلى المدعى عليهم: عبد الهادي أحمد بكار، صبحي يوسف بكار، أحمد محمد الأروادي، أحمد عثمان سلطاني، محمود عثمان سلطاني.

 

وحيث ثبت أن الأسلحة والذخيرة المصادرة من منزل ومكتب شاكر وإبراهيم قليلات ومنزل والدة أحمد المقدم إنما تخص إبراهيم وأحمد المذكورين، وأن لا علاقة للمدعى عليهم: شاكر عبد القادر قليلات، نياز فؤاد المقدم، عصام شاكر مملوك

بهذه الأسلحة والذخائر.

[...]

​​

■ الإتهام

أولاً: اتهام المدعى عليهم:

  1. عدنان شاكر سلطاني بموجب المادة 549 من قانون العقوبات.

  2. محمود أحمد الأروادي بموجب المادة 549 معطوفة على المادتين 213 و219 من نفس القانون.

  3. أحمد فؤاد المقدم بموجب المادة 549 معطوفة على المادة 219 من ذات القانون.

  4. إبراهيم عبد القادر قليلات بموجب المادة 549 معطوفة على المواد 217 و218 و213 و219 من القانون نفسه.

والظن بهم جميعاً باالجنحة وفقاً للمادة 72 من قانون الأسلحة.

ثانياً: منع المحاكمة عن المدعى عليهم:

  1. عبد الهادي أحمد بكار

  2. صبحي يوسف بكار

  3. أحمد محمد الأروادي

  4. مصطفى محمد الأروادي

  5. أحمد عثمان سلطاني

  6. محمود عثمان سلطاني

 

ثالثاً: وقف الملاحقة بحق المدعى عليهم:

  1. شاكرعبد القادر قليلات

  2. نياز فؤاد المقدم

  3. عصام شاكر المملوك

رابعاً: تضمين المدعى عليهم المتهمين المرسوم والمصاريف كافة.

 

خامساً: إصدار مذكرة إلقاء قبض بحق المتهمين وإيداع الأوراق جانب النيابة العامة التمييزية لرفعها إلى المجلس العدلي المرجع الصالح.

بيروت في 23/6/1966

المحقق العدلي